عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
409
اللباب في علوم الكتاب
في كيفية النّظم وجهان : الأول : لمّا تكلم في التّوحيد ، والنّبوّة ، والقضاء ، والقدر أتبعه بالكلام في المعاد لما تقدّم من أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلّا هذه الأربعة . الثاني : لمّا قال في الآية المتقدمة : وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ [ الأعراف : 185 ] باعثا بذلك عن المبادرة إلى التّوبة قال بعده : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ليتحقّق في القلوب أنّ وقت الساعة مكتوم عن الخلق ليصير المكلف مسارعا إلى التوبة وأداء الواجبات . فصل [ في سبب نزول هذه الآية ] قال ابن عباس : إنّ قوما من اليهود قالوا : يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية « 1 » . وقال الحسن وقتادة : إن قريشا قالوا يا محمد : بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى الساعة « 2 » ؟ قال الزمخشريّ : السّاعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريّا ، وسمّيت القيامة بالسّاعة لوقوعها بغتة ؛ ولأنّ حساب الخلق يقضى فيها في ساعة واحدة ، فلهذا سمّيت بالسّاعة أو لأنها على طولها كساعة واحدة على الخلق . قوله : أَيَّانَ مُرْساها فيه وجهان : أحدهما : أنّ أيّان خبر مقدم ، ومرساها مبتدأ مؤخر ، والثاني : أن أيّان منصوب على الظّرف بفعل مضمر ، ذلك الفعل رافع ل « مرساها » بالفاعليّة ، وهو مذهب أبي العباس ، وهذه الجملة في محلّ نصب بدل من السّاعة بدل اشتمال ، وحينئذ كان ينبغي أن لا تكون في محل جرّ ؛ لأنها بدل [ من ] مجرور وقد صرّح بذلك أبو البقاء فقال : والجملة في موضع جرّ بدلا من السّاعة تقديره : يسألونك عن زمان حلول الساعة . إلّا أنّه منع من كونها مجرورة المحل أنّ البدل في نيّة تكرار العامل ، والعامل هو يسألونك والسّؤال تعلق بالاستفهام وهو متعدّ ب « عن » فتكون الجملة الاستفهامية في محلّ نصب بعد إسقاط الخافض ، كأنّه قيل : يسألونك أيّان مرسى السّاعة ، فهو في الحقيقة بدل من موضع عن السّاعة لأن موضع المجرور نصب ، ونظيره في البدل على أحسن الوجوه فيه : عرفت زيدا أبو من هو . و « أيّان » ظرف زمان مبني لتضمّنه معنى الاستفهام ، ولا يتصرّف ، ويليه المبتدأ والفعل المضارع دون الماضي ، بخلاف « متى » فإنّها يليها النّوعان ، وأكثر ما يكون [ أيّان ] استفهاما ، كقول الشاعر : [ الرجز ]
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 136 ) من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 274 ) وزاد نسبته لابن إسحق وأبي الشيخ . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 136 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 274 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد .